أحمد زكي صفوت
112
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فلا أراك فخرت إلا بالغدر ، ولا مننت إلا بالفجور والغش ، وذكرت مشاهدك بصفّين ، فو اللّه ما ثقلت علينا يومئذ وطأتك ، ولا نكتنا « 1 » فيها حربك ، ولقد كشفت فيها عورتك ، وإن كنت فيها لطويل اللسان ، قصير السّنان ، آخر الخيل إذا أقبلت ، وأولها إذا أدبرت ، لك يدان : يد لا تبسطها إلى خير ، وأخرى لا تقبضها عن شر ، ولسان غرور ووجهان : وجه موحش ، ووجه مؤنس ، ولعمري إن من باع دينه بدنيا غيره لحرىّ أن يطول حزنه على ما باع واشترى ، لك بيان وفيك خطل ، ولك رأى وفيك نكد ، ولك قدر وفيك حسد ، وأصغر عيب فيك أعظم عيب في غيرك . 110 - رد ابن العاص فأجابه عمرو بن العاص : واللّه ما في قريش أثقل علىّ مسألة ، ولا أمرّ جوابا منك ، ولو استطعت ألّا أجيبك لفعلت ، غير أنى لم أبع ديني من معاوية ، ولكن بعت اللّه نفسي ، ولم أنس نصيبي من الدنيا ، وأما ما أخذت من معاوية وأعطيته فإنه لا تعلّم العوان الخمرة « 2 » . وأما ما أتى إلىّ معاوية في مصر فإن ذلك لم يغيّرنى له ، وأما خفة وطأتى عليكم بصفين ، فلما استثقلتم حياتي واستبطأتم وفاتي . وأما الجبن فقد علمت قريش أنى أول من يبارز ، وآخر من ينازل . وأما طول لساني ، فإني كما قال هشام بن الوليد لعثمان ابن عفان رضى اللّه عنه :
--> - وكتب بينهما كتابا ، وشرط فيه شروطا لمعاوية ، وعمرو خاصة ، وللناس عليه ، وأن لعمرو ولاية مصر سبع سنين ، وعلى أن على عمرو السمع والطاعة لمعاوية ، وتواثقا وتعاهدا على ذلك ، وأشهدا عليهما به شهودا ، ثم مضى عمرو بن العاص على مصر واليا عليها ، وذلك في آخر سنة تسع وثلاثين ، فو اللّه ما مكث بها إلا سنتين أو ثلاثا حتى مات » . ( 1 ) نكى العدو نكية : قتل وجرح . ( 2 ) في المثل « إن العوان لا تعلم الخمرة » والعوان من النساء التي كان لها زوج ، والخمرة اسم من الاختمار ، واختمرت المرأة ، لبست الخمار بكسر الخاء ( الطرحة ) يضرب للرجل المجرب .